ابن قيم الجوزية

128

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

عيانا . ولهذا قال تعالى في حقهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إليه . لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا . فهم لا يرجعون إليه . وقال تعالى في حق الكفار فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ لأنهم لم يعقلوا الإسلام ، ولا دخلوا فيه ، ولا استناروا له ، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي . فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا . وإلى الإيمان وحقائقه مناديا ، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا ، وإلى طريق الرشاد هاديا . لقد اسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية ، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية . ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها . وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها . وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام ، وسكرت بشهوات الغي وشبهات الباطل ، فلم تصغ بعد إلى الملام . ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسهام ، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة ، وأسر الهوى والشهوة . وما لجرح بميت إيلام . وأما الصم والوقر ففي قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وقوله : 47 : 23 أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وقوله : 7 : 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ وقوله تعالى : 41 : 44 وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ . قال ابن عباس : في آذانهم صمم عن استماع القرآن ، وهو عليهم عمى . أعمى اللّه قلوبهم فلا يفقهون . أولئك ينادون من مكان بعيد ، مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء . وقال مجاهد : بعيد من قلوبهم . وقال الفراء : تقول للرجل الذي لا